ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )

197

المسالك والممالك ( ط مصر )

وبين منهج أبى زيد البلخي - الذي يبدو من عنوان كتابه - أنه جعل المصورات أهم شئ فيه ، هذا المنهج الذي أقامه الإصطخرى بين القديم والجديد والتوفيق بينهما ، على أساس أن تكون المصورة هي العمدة في القول ، هو ما يهدف إليه المؤلف ، كما يتضح ذلك من ثنايا كتابه وممن اقتفى أثره مثل ابن حوقل ، وعلى ذلك يمكن فهم عبارة الإصطخرى بأنه أول من جعل الحديث عن الأقاليم بيانا قائما على أساس المصورات الجغرافية ، هذا بالإضافة إلى تقسيمه الأقاليم تقسيما يقوم على أساس جغرافى لا إدارى ، وهو أمر - فيما يبدو حتى الآن - لم يسبق إليه . احتفل الإصطخرى احتفالا عظيما بمنهجه جعله يضع صورة الإقليم أول ورقة في موضوع الإقليم ، أو قل عنوانا له وحديثا تصويريا له ؛ وكان هذا الصنيع من الإصطخرى دفعا لعلم الجغرافية عند العرب خطوة إلى الأمام ، ويدلك على ما لهذا المنهج من تقدير أعجب المؤلفين في هذا العلم أن ابن حوقل ( 367 ه / 978 م ) الذي جاء بعده تأثر بمنهج الإصطخرى ، ولم يقتصر على المصورات يذكر فيها المدن والجبال والأنهار وطرق المواصلات كسابقه ، وإنما أضاف إلى ذلك بعض بيانات على المصورة نفسها ، كما يتضح ذلك من صورته للمغرب مثلا . أما الأمر الثاني : وهو تبويبه لموضوعات الكتاب فقد جعل مكة المكرمة أو ديار العرب مفتاح الحديث عن الأقاليم ، وهذا منهج أيضا لو فكرنا فيه على ضوء الواقع آنئذ رأيناه سليما ، ذلك لأن العالم في ذلك الوقت كان ينقسم إلى قسمين ، قسم يعيش في بلاد الإسلام ، وقسم آخر يعيش على تخوم أو وراء هذه الأقاليم الإسلامية المترامية الأطراف ، التي تمتد رقعتها من بحر الظلمات ( المحيط الأطلسى ) غربا إلى حدود الصين - باصطلاح القوم آنئذ - شرقا ، والتي تتصل شمالا وجنوبا بأقوام مختلفة الأجناس والأديان واللسان ، وهؤلاء الأقوام لم تكن لهم رابطة أو أساس يجمعهم أو يستظلون به ، كما هو الشأن في بلاد الإسلام ، التي كان يجمعهم اللسان الواحد وهو العربي ، أضف إلى ذلك أنها كانت مقر الحضارة والثقافة ودين الإسلام ، ذلك الدين الذي كان له شأن عظيم في مظاهر الحياة الاجتماعية ، إلى حد أننا نرى حركات الإصلاح والحركات السياسية تقومان باسمه ، ومن ثمّ فالإسلام إلى جانب أنه دين سماوي كان ظاهرة اجتماعية خطيرة الشأن ، لها اعتبارها إلهام في أوضاع الحياة في مختلف مناحيها ، ومن هنا كانت بلاد العرب مفتاح الحديث ، لأن بها الأماكن المقدسة التي لها في نفوس الناس قداسة ، وفي قلوبهم شوق إليها وتطلع إلى معرفتها ، وعلى ذلك فإنّ اتخاذ بلاد العرب بداية للحديث هو اختيار للوسيلة لتقبّل الناس بنفوس مطمئنّة ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن علم الجغرافية علم حديث أينعت ثمرته في مجال العلوم الشرعية واللغوية والتاريخ اتضح لنا الهدف من اتخاذ بلاد العرب مفتاحا للحديث ، ذلك لأن هذه العلوم كانت تتصل بالدين من قرب أو من بعد ، وهذا الاتصال هو الذي مهّد لها أن يعلو شأنها وأن تنجح في حياتها ، وهو الأمر الذي أشار إليه المؤلف في قوله ( لأن فيها الكعبة ومكة أم القرى ) ، وعلى أية حال لم يكن هناك خير من بلاد العرب التي تضم مكة والمدينة والتي يسعى إليها الحجيج من كافة الأقطار الإسلامية في كل عام .